1406 عدد المشاهدات visibility
comment1 تعليقات
بواسطة ARAB REFORM INITIATIVE Admin - ٩ أكتوبر، ٢٠١٨

العزل السياسي، أشكاله، ومدى أهميته في مرحلة الانتقال السياسي .

                                                                                                                       المحامية سحر حويجة


ملخص تنفيذي 

ترافقت ظاهرة العزل السياسي، التي انتشرت في بعض البلدان العربية، مع صعود حركات التغيير التي اجتاحت هذه الدول، و توجت بتغيير حكامها. 

حيث أقدمت السلطات الجديدة، على إصدار قرارات، وقوانين، تحت مسمى العزل السياسي، لقطع الطريق على عودة القوى البائدة إلى السلطة، نتيجة القوة التي ما تزال تتمتع بها . 

وقد اتخذ قانون العزل السياسي أشكالاً مختلفة، في كل بلد من البلدان التي اعتمدته، وكان له تـأثيراً يتناسب مع شدته، ووسائل تنفيذه، والغاية منه. حيث ترك قانون اجتثاث البعث في العراق، أثراً بالغا على الحياة السياسة والديمقراطية، تحت تهديد هذا القانون، بعد أن تم تجاوز الغاية المرتقبة منه، إلى الثأر والتشفي .

أثار تطبيق قانون العزل عديد من الأسئلة : هل قدمت قوانين العزل السياسي، حماية للسلطات الديمقراطية الوليدة؟ وهل كانت هذه القوانين ضرورية للعدالة الانتقالية؟ أم أنها تجاوزت أهدافها، وتحولت إلى تعسف وظلم؟ حيث تولدت عنها ردود أفعال سلبية، ضد سياسات النظام الوليد. 

ونتيجة السلبيات التي برزت، بعد تطبيق قوانين العزل السياسي، في كل من تونس ـ ليبيا، مصر والعراق، ما هي الوسائل البديلة القانونية والسياسية، أمام السلطة الجديدة، لتعزيز مواقعها ضد السلطات البائدة؟. هذه النقاط التي سوف أتناولها في هذا البحث. اعتمدت على أسلوب البحث الوصفي ألاستنتاجي. يتألف البحث من مقدمة وخمسة فصول وخاتمة وتوصيات .

                                                                 

مقدمة :

في عملية انتقال مجتمع ما، من نظام الاستبداد، إلى نظام ديمقراطي، يحتاج التغيير إلى مرحلة انتقالية، لاستعادة الفضاء العمومي، وتهيئة المجتمع، على تطبيق أنظمة قانونية وقضائية وأمنية وإدارية جديدة . و من أجل إرساء وعي حقوقي وقانوني وأخلاقي جديد. وإلى منع تكرار ما حصل، من جرائم وانتهاكات بحق المجتمع، في ظل حكم الاستبداد.

تسعى السلطات الجديدة، لإيجاد حلولاً للمشكلات التي تواجهها، بعد تحقيق انتصاراتها، نتيجة ثورة أو انتفاضة شعبية، أو بعد نزاعات وحروب داخلية، تولد انقسامات اجتماعية وسياسية واقتصادية وعسكرية حادة، كما أن الصراعات الكامنة، والمكشوفة بين القوى المختلفة، قد تتوج بعد مفاوضات بالانتقال السلمي، كما حصل في الاتحاد السوفيتي، و أوروبا الشرقية . 

تواجه القوى الثورية أثناء عملية الانتقال، مهمة تصفية مراكز القوى التابعة للنظام القديم . يجري ذلك، بالاعتماد على آليات، تحولت إلى أعراف وقوانين معتمدة عالمياً. تمثل أساس النظرية الحديثة في مجال الانتقال الديمقراطي. أهمها العدالة الانتقالية، التي تقوم على تشكيل هيئات العدالة والإنصاف، وتختلف مهامها من مجتمع لأخر، قد يقتصر عملها على التحقيق في انتهاكات النظام البائد، وكشف المتورطين بالجرائم، ويتم بعد ذلك إصدار عفو عام عنهم، مثال ذلك ما جرى في جنوب افر يقيا. , أو قد تجري محاكمتهم. 

الآلية الثانية، هي العزل السياسي، تجري من خلال إصدار قوانين، تهدف إلى إحلال نخبة الثورة، مكان نخبة السلطة، وقد تتم بشكل تدريجي، أو بشكل كامل.


الفصل الأول :

أهداف العزل السياسي:

يهدف قانون العزل السياسي، إلى تطهير المؤسسات من بقايا النظام البائد، وتجريد العناصر التابعة له من الشرعية، و استبعادها من العملية السياسية، كما أنه وسيلة لعقاب الأفراد، فهو أداة رفض للسلوك الإجرامي في إدارة الدولة، وتوجيه تحذير قاس لمن يتقلد تلك المناصب في المستقبل، بالإضافة إلي أن العزل السياسي، يكفل توفير قدر من العدالة للضحايا، ويُمَكن الضحايا من استعادة كرامتهم. ويساهم أيضًا في تعزيز ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة، وقدرتها علي إنفاذ القانون. إضافة إلى سد الطريق أمام القوى السابقة للعودة للسلطة .


الفصل الثاني :

علاقة العزل السياسي بالعدالة الانتقالية : 

عرفت الأمم المتحدة العدالة الانتقالية بأنها: “…كامل نطاق العمليات والآليات المرتبطة بالمحاولات التي يبذلها المجتمع، لتفهم تركة من تجاوزات الماضي الواسعة النطاق، بغية كفالة المساءلة وإقامة العدالة، وتحقيق المصالحة[i].” 

. كما ورد في ملحقمبادئ شيكاغو لعدالة ما بعد النزاعات :

مبدأ ١تحاكم الدول، المرتكبين المشتبه بهم للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، والقانون

الدولي الإنساني.

مبدأ ٤يجب على الدول أن تنفذ سياسات للتنحية، والعقوبات، والإجراءات الإدارية.

في هذين المبدأين نرى تداخل وتكامل بين العدالة الانتقالية والعزل السياسي، بما يخدم العدالة في عملية الانتقال .


الفصل الثالث :

تجارب الدول في عملية الانتقال، وموفقها من العزل السياسي: 

في معاينة تجارب الدول المختلفة، نجد لكل بلد، طريقه الخاص في تطبيق القواعد الحقوقية، التي تساهم في تحقيق العدالة، أثناء عملية الانتقال السياسي.

في ألمانيا، أثناء توحيد الألمانيتين الشرقية والغربية، جرت الكثير من المناظرات بين عامي 1989 ـ 1990، غير أنه لم يستعمل القصاص ولم يتم اللجوء إلى المحاكمات، إلا بشكل محدود، على الرغم من تبني سياسات التطهير وإعادة تأهيل الضحايا، وتعويضهم ماديا، إضافة إلى كشف الحقيقة.

أما في بولندا، اجمع كل من اليسار الديمقراطي، والجناح الليبرالي، أن التطهير الذي يترتب عليه طرد الناس من وظائفهم، إجراء قانوني باهظ الثمن. وإن فكرة التطهير، وليدة الفكر الشمولي، تنطوي على خرق الأصول القانونية، وتتعارض مع مبادئ الدستور. وتم إتباع النموذج المتدرج في الإصلاح . في حينها اعتبر حزب تحالف اليسار، أن اسبانيا عقد السبعينات، نموذج يحتذى به، وتم التركيز على الحاضر والمستقبل، دون بذل جهد في سبيل المصالحة مع الماضي. وتم الابتعاد عن محاكمة الشيوعيين السابقين والشرطة. 

في روسيا لم تكن المصالحة مع الماضي قضية سياسية بارزة، وفضلت روسيا نسيان ماضيها، على أن لا تتكرر جرائم الماضي بضمانة الحكومة.


نتيجة: إن مسار التحول من دول شمولية إلى دول ديمقراطية، في هذه الدول الثلاث، التي سلكت السبيل السلمي في التغيير، حيث تحاشت سياسة المحاكمات، حتى أن محاكمة حرس الحدود، الذين أطلقوا النار على الهاربين من ألمانيا الشرقية إلى الغربية، لم تحظى بشعبية. وقد لجأت هذه الدول إلى اعتماد آلية التطهير، وعلاقة ذلك بالفساد السياسي والاستبداد. 



الفصل الرابع:

الاجتثاث شكل حاد من العزل السياسي :

1 ـ تجريه اجتثاث النازية في ألمانيا :

بعد أن تمت هزيمة ألمانيا من قبل الحلفاء، في أيار ـ مايو 1945، حيث اتفقت الدول المنتصرة، إضافة إلى نزع سلاح ألمانيا، وإلغاء قواتها المسلحة، إلى إزالة الفكر النازي من ذهن الشعب الألماني، و تحديث الحياة السياسية على أسس ديمقراطية، على الشكل التالي : تم تفكيك وإلغاء الحزب النازي، وتشكيلاته ومؤسساته، و إلغاء القوانين والأحكام القضائية والتنظيمات، التي رسخت التعصب على أساس العرق. كما تم إقصاء أعضاء الحزب من المواقع الهامة، العامة والرسمية، ومن المنظمات المدنية والاقتصادية، و المجالس البلدية، ومن حقل الصناعة والتجارة والزراعة والتعليم والصحافة. 

تشكلت محاكم لمحاكمة النازيين، وصدر قرار إلقاء القبض على هتلر، ومرافقيه الرئيسيين، كمجرمي حرب،كان يجب التفتيش على كل من شارك في المؤسسة النازية وخطط لها، و اعتقالهم ومحاكمتهم، وتمت حينها محاكمة القادة النازيين، بجرائم ضد السلام ـ وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب.

في عام 1946 تشكلت محكمة نورنبرغ، حيث صنفت أعضاء الحزب النازي إلى أربعة أصناف[ii] : أولاً حزبيون صف أول وهم القادة ثانياًـ حزبيون صف ثاني ناشطون ثالثاً ـ حزبيون صف ثالث يدفعون غرامات لقاء حريتهم، الصنف الرابع ـ حزبيون متهمون عليهم رفع التهمة عنهم. 

من الهام الإشارة إلى أن اجتثاث النازية، اختلف نطاقها وفقا للقوى المسيطرة، حيث كانت العملية أكثر شمولا، في المقاطعات التي سيطرت عليها أمريكا، وقد حصل حينها، خلافات بين أمريكا والإدارة الألمانية، بشأن اجتثاث النازية، كان رأي الألمان، أن هدف الاجتثاث، هو إرجاع من كان مدنيا، إلى المجتمع، وقد ميزوا بين مجرمين كبار وصغار وتابعين. أما في المقاطعات التي سيطرت عليها، فرنسا وبريطانيا، تم اعتماد التسويات، كحل لأسباب اقتصادية وإدارية، واختلف الأمر، في المقاطعات التي سيطر عليها السوفييت، حيث استخدموا نشر الاشتراكية، لذلك لم يتأثر أعضاء النازية بالاجتثاث، بعد إن أعلنوا رغبتهم التعاون مع النظام الاشتراكي. وقد انتهت عملية الاجتثاث في المقاطعات السوفيتية في سنة 1948 وفي المقاطعات الأخرى بين 1950 ـ 1954. 

2 ـ قانون اجتثاث البعث: 

صدر قانون اجتثاث البعث في العراق، تحت إشراف بول بريمر في عام 2003، وفي عام 2008 أطلق عليه تسمية قانون المساءلة والعدالة،، بدلا من اجتثاث البعث، وهو حقا يشبه قانون اجتثاث النازية، ويختلف عنه باستمراره منذ خمسة عشرة عاماً ولم يحقق أهدافه بعد، بينما اجتثاث النازية كما أشرنا وتبعاً لاختلاف القوى المسيطرة، استغرقت بين سنتين وسبع سنوات كحد أقصى .

على الرغم من أن هذه القوانين لها طابع مؤقت، لكن في التجربة العراقية تحولت إلى قانون دائم، وإحدى وسائل القمع، والاضطهاد. يشار إلى أن هيئة "المساءلة والعدالة" منعت مئات المرشحين من خوض الانتخابات في عام 2018.[iii]وقد واجه أرفع ممثل للسلطة القضائية في العراق، تهمة الانتماء لحزب البعث، وجرى اجتثاثه، ثم إعفاؤه، ما أسفر عن تداعيات كبيرة. 

من أهداف قانون المساءلة والعدالة العراقي ما يلي : منع عودة حزب البعث للحياة العامة، وعملية تطهير شاملة من منظومة الحزب ـ محاكمة من يتم إدانته بأفعال جرمية ـ الكشف عن الأموال التي استحوذ عليها أعوان النظام وإعادتها إلى الخزينةـ تمكين الضحايا من المطالبة باستيفاء التعويض، عن الأضرار التي لحقت بهم جراء تلك الجرائم ـ خدمة الذاكرة العراقية من خلال توثيق الجرائم والممارسات غير المشروعة، التي اقترفها عناصر الحزب، لتحصين الأجيال القادمة، من السقوط في براثن الظلم والطغيان والاضطهاد.                

في قراءة لأهداف الهيئة نجد أنها تنشد إلى العدالة الانتقالية، لكنها لا تتضمن عنصر المصالحة، بل تشدّد على المحاسبة الشاملة. 

المادة السادسة من القانون صريحة بذلك حيث تنص: [iv][1][v]تعاقب كل من انتسب للحزب، مهما كان صفته وكل من تعاون مع الحزب. هذه المادة تحولت إلى سيف مسلط، يهدد الناس بلقمة عيشها واعتقالها أو تصفيتها. حيث أن الحزب الذي حكم العراق منذ عام 1968 حتى 2003 كان يعتبر، كل العراقيين أعضاء فيه، وعليه من يحق له أن يقرر أن فلان بعثي وذاك غير بعثي؟  يبدو واضحا الطابع والخطاب السياسي للقانون ـ وقد تم استخدامه، وسيلة تطهير طائفي . وكان له بالغ الأثر على فئات واسعة من العراقيين، خوفا من المحاكمة والاعتقال، التي طالت أعداداً كبيرة، دون ضمانات قانونية، مما دفعهم للانتقام والثأر، ولا عجب أن إعداداً كبيرة، خاصة الضباط العراقيين السابقين، تحولوا إلى قادة في صفوف داعش. 


                                                                                                                                                 




                                   


3 ـ ليبيا وقانون العزل السياسي:

في أيار مايو من عام 2013، صدر قانون "العزل السياسي" في ليبيا، عندما حاصر مسلحون مقر المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، في العاصمة طرابلس مطالبين بتبني القانون.

واستهدف القانون المسئولين في فترة حكم القذافي، التي امتدت منذ 1 أيلول ـ سبتمبر/ 1969 وحتى انهيار نظامه، في أكتوبر/ تشرين الأول 2011.

ألغت الحكومة الليبية المعترف بها دوليا هذا القانون الذي أثار جدلاً، بعد سنتين من العمل به،. للمفارقة لم يكن الذين وقعوا ضحية هذا الإجراء من أتباع القذافي فقط، بل أقصى هذا القانون عددا من ابرز قادة الثورة الليبية، منهم محمود جبريل ومصطفى عبد الجليل ومحمد مغاريف، المنشقين عن النظام، وأصبحوا قادة في المجلس الوطني .[vi]

شكل قانون العزل السياسي في ليبيا، الذي يقوم على التدقيق بأشخاص النظام السابق بشكل تعسفي وشامل، قانون ذي دوافع سياسية بالدرجة الأولى، صورة للتخبط في القرارات التي اتخذتها حكومة انتقالية، لا تملك السيطرة ـ لقد ساهم هذا القانون في زيادة الانقسام المجتمعي والاقتتال الداخلي.

في المقابل تونس وفي عام 2014، قرر البرلمانيون الإسلاميون، الذين تحدثوا نيابة عن العديد من ضحايا النظام الاستبدادي للرئيس زين العابدين بن علي، التخلي عن مطالبهم، بالتدقيق في خصومهم السابقين. 


4 ـ قانون العزل السياسي في مصر، 

أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، ما سمي بقانون إفساد الحياة السياسية [vii]وهو نسخة معدلة لقانون الغدر، الذي صدر في عام، 1952 بعد أن تم استبدال كلمة الغدر بكلمة إفساد الحياة السياسية، وكان من المفترض تطبيقه على أعضاء اللجنة السياسية، والأمانة العامة في الحزب الوطني المنحل، بعد قيام ثورة 25 يناير ـ كانون الثاني، وقد سمح قرار الإخوان المسلمين، بعدم متابعة أي عدالة جزائية، وأن يظل الجيش القوة الحقيقية في مصر. استخدم الجيش لاحقاً سلطته لحل البرلمان المنتخب في عام 2012، و عزل الرئيس محمد مرسي، في يوليو ـ تموز 2013.

وبسبب من تداخل منطق الانقلاب مع منطق الثورة،  لقد حدث التحول، تحت رقابة الجيش، وتم الحفاظ على مؤسسات النظام القديم . [viii] في مصر

إجراءات العدالة الانتقالية، اقتصرت على محاكمة الرئيس وعائلته، وبعض قيادات الشرطة المتورطة في قتل المتظاهرين. 



الفصل الخامس : 

العزل السياسي في سوريا: 

يقوم نظام الاستبداد على رفض أي أشكال من أشكال المعارضة، أنظمة تتسم بالشمولية والأحادية ورفض الآخر، عمل نظام الاستبداد خلال عقود حكمه في سوريا، ليس الى عزل، يقوم على إبعاد المعارضين، عن تبؤ منصب، بل إن الموافقة الأمنية شرط مسبق لأي نشاط أو عمل، أو إجراء. و اعتقال كل من تسول له نفسه معارضة النظام، أو انتقاده، الحقيقة أن الأنظمة المستبدة لا يوجد فيها سياسة بل كل مؤسسات الدولة هدفها تأبيد النظام، إن  الخطوة التي أقدم عليها النظام، بإلغاء المادة الثامنة من الدستور، التي تمنح حزب البعث قيادة الدولة والمجتمع، جاءت نتيجة التوجه الى عسكرة المجتمع أكثر، وخوفا من سيطرة المعارضة بدعم دولي، وإصدار قانون اجتثاث، مثل العراق.

كان التغيير السلمي، شعار الحراك الثوري في سوريا، نحو مجتمع ديمقراطي تسوده الحرية والعدالة، وجاء الرد من النظام باعتقال وتصفية الثوار، واستخدم كل إشكال العنف لإخماد الحراك الثوري السلمي، حتى تحول الصراع السلمي إلى نزاع مسلح، وانتقل العمل المسلح من الدفاع عن النفس إلى تحرير مناطق، ومدن، انتقلت من تحت سيطرة النظام، إلى سيطرة المعارضة . بعد أن انهارت مؤسسات النظام الأمنية والسياسية والقضائية في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام . 

في الحالة السورية، اتخذ العزل السياسي شكلا حادا فرضه واقع الصراع المسلح في المناطق التي خرجت عن سيطرة النظام، من دون قانون، حيث كل فصيل مسلح، لديه مؤسسات عسكرية و قضائية وأمنية في أماكن سيطرته، لها استقلال نسبي عن باقي مناطق سيطرة فصائل أخرى . ولكن المعارضة المسلحة في غياب دور فاعل للمجتمع المدني والقوى السياسية، لم تملك القدرة على تشكيل مؤسسات بديلة، عن مؤسسات النظام تمثل قيم وأهداف الثورة . بل اقترفت أطرا ف محسوبة على المعارضة، الكثير من جرائم، الخطف والتعذيب، والإخفاء القسري، وشكلت محاكم شكلية لها طابع استثنائي شرعي، و نفذت عقوبات قاسية . ممارسات من نوع ممارسات النظام، لها طابع الثأر والتشفي .

وبعد صراع دامي استمر سبع سنوات، حيث فشلت كل المساعي، في سبيل إنهاء النزاع العسكري والبدء بمفاوضات لإيجاد تسوية سياسية، وفق قرارات صدرت عن مجلس الأمن أهمها القرار 2254 . سعى النظام وبدعم من حلفائه التمسك بالحل العسكري، لإضعاف خصومه المعارضين، وتقوية أوراقه ونفوذه، . عبر إجراء تسويات و مساومات، تحت تسمية مصالحات تفرض من موقع القوة. تتصف بالإذعان لشروط النظام. 

واقع الحال على الرغم من الضربات الموجعة التي تلقاها النظام، خاصة الخسائر البشرية التي لحقت بمؤسساته الأمنية والعسكرية والسياسية مازال قادراً على إنتاج ذاته ودعم سيطرته، نتيجة الدعم الذي يتلقاه من حلفائه، والتواطؤ الدولي الذي يخدمه. 

وعليه فإن الانتقال السياسي في سوريا الممسوك دوليا، على الرغم من المكاسب التي حققها النظام والهزائم التي لحقت بالمعارضة المسلحة، و تشتت المعارضة السياسية، وضعف المجتمع المدني، وقائع يستغلها النظام لفرض شروطه في أي حل سياسي مرتقب، إلا أن الوضع السوري لن يكتب له الاستقرار، الا بعد انجاز تسوية سياسية برعاية دولية، لم تتضح معالمها بعد وستكون خاضعة للتوازنات والمساومات الدولية، تحت ضغط إعادة اللاجئين وإعادة الإعمار، وضرورة الاستقرار. إن تمت التسوية السياسية للأزمة السورية، فإن التغيير المتدرج هو الأسلوب المناسب، وسوف يكون لهيئة المصالحة والإنصاف دوراً هاماً في عملية الانتقال، التي يجب أن يتم تشكيلها في سياق المفاوضات، مهمتها كشف الحقائق والانتهاكات، والتعويض عن الجرائم، ومحاكمة المجرمين، من كل الأطراف، على الأرجح في الحالة السورية أن ينتهي الحال بإصدار عفو. 

إن عملية تحديث واعادة هيكلة المؤسسات :الأمنية والعسكرية والقضائية والادارية، والسياسية، سوف يكون لها أثراً ايجابياً، تساهم في عزل لفاسدين ومجرمين . 

أما قانون العزل السياسي، وهو مستبعد في حال تمت مفاوضات مباشرة وانتهت بتسوية. غير أن محاكمة الفاسدين والمجرمين، في حال أتيح لهيئة العدالة والانصاف أن تقوم بدورها، سيكون له أثر من أثار العزل السياسي، وفق القانون. 



الخاتمة

العزل السياسي، يتخذ إشكالا، تختلف تبعاً لاختلاف ظروف الانتقال من الاستبداد الى الديمقراطية، ففي حالة الثورة التي تنتهي بانتصار حاسم، يتم العزل في سياق العملية الثورية، التي تؤدي الى انهيار و تفكك مؤسسات السلطة، وفرض قوى الثورة بدائلها السياسية والقانونية والأمنية والعسكرية. ويختلف الشكل أيضاً، بين عملية التغيير التي تتم بشكل سلمي، وعملية التغيير التي تتم بأسلوب دموي، يتم العزل، في سياق الانتقال السلمي بشكل تدريجي ونطاقه محدود نحكمه ضوابط قانونية، أما التغيير المترافق مع العنف، قد يؤدي إلى ردود أفعال، لها طابع الثار والتشفي . 

إن قانون العزل السياسي الشامل الاجتثاث، نموذج اجتثاث النازية، والفاشية، التي تمت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، جاءت في مرحلة سابقة لإنشاء وترسيخ ألية العدالة الانتقالية التي تقوم على تشكيل لجان الإنصاف والعدالة والمصالحة التي برزت أهميتها وفعاليتها منذ منتصف السبعينات . وفي حال تم إصدار قانون عزل، يجب أن لا يكون شاملاً . 


توصيات :

1 ـ قانون العزل السياسي يجب أن يكون مؤقتا .

2 ـ أن لا يكون شاملاً . 

2 ـ يجب أن ينظم ضمن ضوابط قانونية، حتى لا يتم استخدامه، لخدمة غايات سياسية.. 

3 ـ يجب أن يكون في خدمة السلم الأهلي، لا أن يكون مطية للعنف. 

4 ـ يجب إعطاء الأولوية، إلى نبذ الفكر الشمولي الاقصائي، ونقد ورفض السياسات التي خدمت الاستبداد، وأحياء العملية الديمقراطية داخل الأحزاب لتغيير قياداتها ومحاسبتهم. أكثر من عملية حل الأحزاب ألقسري والعقاب الجماعي. 





                                                           

         



[1] :- إنهاء خدمات جميع الموظفين ممن كان بدرجة عضو شعبة وإحالتهم على التقاعد بموجب قانون الخدمة والتقاعد.
ثانياً:- إحالة جميع الموظفين الذين يشغلون إحدى الدرجات الخاصة(مدير عام أو ما يعادلها فما فوق) ممن كانوا بدرجة عضو فرقة في صفوف حزب البعث على التقاعد بحسب قانون الخدمة والتقاعد.
ثالثاً:- إنهاء خدمات جميع منتسبي الأجهزة الأمنية (القمعية) وإحالتهم على التقاعد بموجب قانون الخدمة والتقاعد.
رابعاً:- يمنع فدائيو صدام من أي حقوق تقاعدية لعملهم في الجهاز المذكور.
خامساً:- السماح لجميع الموظفين غير ذوي الدرجات الخاصة ممن كانوا بدرجة عضو فرقة فما دون في صفوف حزب البعث بالعودة إلى دوائرهم أو الاستمرار بوظائفهم.
سادساً:- لا يسمح لأعضاء الفرق بالعودة للخدمة أو الاستمرار في الخدمة في الهيئات الرئاسية الثلاث ومجلس القضاء والوزارات والأجهزة الأمنية ووزارتي الخارجية والمالية.
سابعاً:- لا يصرف الراتب التقاعدي أو منحة لكل من كان منتميا لحزب البعث بعد (20/3/2003) وحصل على اللجوء السياسي أو الإنساني في أية دولة من الدول.
ثامناً:- يمنع من إشغال وظائف الدرجات الخاصة (مدير عام أو ما يعادلها فما فوق ومدراء الوحدات الإدارية) كل من كان بدرجة عضو فما فوق في صفوف حزب البعث وأثرى على حساب المال العام.
تاسعاً:- إحالة جميع من لم يشمل بقانون الخدمة والتقاعد للعمل في دوائر الدولة ماعدا الهيئات الرئاسية الثلاث ومجلس القضاء والوزارات والأجهزة الأمنية والخارجية والمالية ويستثنى من ذلك الفقرة أولا من المادة أعلاه.
عاشرا:- تسقط كافة الحقوق الواردة في الفقرات السابقة عن شخص كل من ثبتت قضائياً مشاركته بجرائم ضد الشعب العراقي أو أثرى على حساب المال العام.



[i] تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول بناء دولة القانون وادارة العدالة في الفترة الانتقالية عصدر في 2004

[ii][ii] الكاتب عادل حبة ـ معالجة أثار النازية بعد الحرب العالمية الثانية منشور في 10 &2 &2014 الحوار المتمدن 

[iii] العربي الجديد العراق صفقة سياسية لاستثناء مرشحين من اجراءات الاجتثاث ـ تقرير براء الشمري 

[iv]قانون الهيئة الوطنية العليا للمسائلة والعدالة رقم 10 لسنة 2008.

[vi] العدالة الانتقالية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا الصادر عن مركز الدراسات الدولية والاقليمية جامعة جورجتاون ـ في قطر 

[vii] قانون افساد الحياة السياسية صدر في أكتوبر عام 2011،

[viii][viii][viii][viii] عمرو عبد الرحمن بحث المرحلة الانتقالية الخلفيات والتناقضات وسيناريو المستقبل.


ARAB REFORM INITIATIVE Admin
"مبادرة الإصلاح العربي" مؤسسة بحثية رائدة للبحوث الفكرية المستقلة، تقوم، وبشراكة مع خبراء من المنطقة العربية وخارجها، باقتراح برامج واقعية ومنبثقة عن المنطقة من أجل السعي الى تحقيق تغيير ديمقراطي. تلتزم المبادرة في عملها مبادئ الحرية والتعددية والعدالة الاجتماعية. وهي تقوم بالأبحاث السياسية، وتحليل السياسات، وتقدم منبراً للأصوات المتميّزة. ننتج بحوث أصيلة يقدمها خبراء محليون، ونتشارك مع مؤسسات عربية ودولية لنشرها. نشجع الأفراد والمؤسسات على القيام بتطوير رؤيتهم الخاصة للحلول السياسية. نعبئ الأطراف المعنية لبناء تحالفات من أجل إنجاز التغيير. هدفنا أن تشهد المنطقة العربية صعود وتنمية مجتمعات ديمقراطية عصرية. تأسست "مبادرة الإصلاح العربي" عام 2005 ويشرف على عملها مجلس الأعضاء وهيئة تنفيذية.

تعليقات (1)
Sort by : Date | Likes

<br><a href="https://www.minia.edu.eg/Minia "nofollow">MINIa University</a><br>[url] https://www.minia.edu.eg/Minia/ [/url]